أيام سوداء.. و حوالات صفراء

Posted: أبريل 25, 2012 in Uncategorized

زحام شديد، ضوضاء مزعجة، شمس حارقة، هراوات الأمن، مشاحنات متقطعة، سلالم مرتفعة, عظام هرمه و شعر مشيب. كل هذه الصعوبات قد تهون إذا كانت تؤدي في النهاية إلى أبواب مفتوحة و مصلحة مقضية و لكن تلك السلالم المرتفعة تؤدي إلى أبواب موصدة يحول بينها و بين المتعطشين لأخذ حق تجاوز ميعاد استحقاقه العشرون عاما أفراد أمن يرهبونهم بين الفينة و الأخرى بضرب البعض بالهراوات أو السب أو الركل بالأقدام.

يقف الحاج عبد الكريم عبد الحليم أمام بنك الرافدين في شارع التحرير بالدقي ليقضي أيام عصيبة أخرى من خريفه الثامن و الأربعون، الرجل الذي أتى من أسوان منذ التاسع من أبريل الحالي حالما بأن يعود إلى زوجته و أولاده الخمس بستة آلاف جنيه قد تزيد قليلا استحقت له منذ عقدين بعد أن قد كان فقد فيهم الأمل.

“أنا اللي معطلني غلطة بسيطة، أنا المفروض اصرف من أسوان روحت البنك اللي في أسوان ضربوا على الكمبيوتر لقوا الاسم صحيح و الحوالة صحيحة بس قالولي لأ انت لازم تروح تصرف من الرافدين، و كأن فيه تعليمات او فيه اتفاقيات مبرمه بين البنوك أو فيه حاجه احنا منعرفهاش”.

يستكمل الحاج عبد الكريم بلهجته البعيده عن النوبيه و القريبه إلى لهجة الوادي الجديد “شوف أنا هنا بقالي قد ايه، من يوم 9 ابريل يعني بقالي 14 يوم و انا عايش ع البسكويت …”.

ينقطع الصوت، يغلب الحاج عبد الكريم بكاؤه قبل أن يستطرد قائلا بحرقة و صوت مشوش بالبكاء “…. و عايش ع الشاي”.

ينقطع الصوت مرة أخرى وسط صمت حزين من الناظرين، لحظات تأثر يقطعها صوت الحاج عبد الكريم “… يرضي مين ده.. يرضي مين.. بننام ع الرصيف هنا”.

يستكمل الحاج عبد الكريم بكاؤه و ينكسر الصمت تدريجيا بعبارات مواساة واضحة بها رائحة اليأس من قائليها وعبارات أخرى تذكر بالصبر و التوكل على الله و أخرى بها رائحة من غضب تقول أنها مشكلة آلاف يعانون كما يعاني الحاج عبد الكريم.

يقاوم الحاج عبد الكريم بكاؤه “انا حتى لو اعرف حد هنا هتكسف ابات عنده، ظروف المعيشه و السكن هنا صعبه، انا هنا من يوم 9 في الشهر مين هيستحملني كل ده، و الله العظيم بننام على الرصيف قدام البنك…”.

ينقطع الصوت للمرة الثالثة فهي لحظات في حياة الانسان قد ينسى فيها انه رجل كبير في السن يقترب من الخمسين من العمر و يزيده شقاؤه عشر سنوات اخرى على عمره، ينسى انه في الشارع بين اناس لا يعرفهم و لا يعرفونه، ينسى انه ليس جيدا ان تبدو عليه مظاهر ضعف حاول اخفاءها اربعة عشر يوما و لكن المحنة كانت أكثر قساوة من صبره و ايمانه و رجولته و قوته.

يتماسك من جديد و يستكمل كلامه “البنك ده بنك عراقي مصري فلازم يكون مديره عراقي و انا معرفش ايه قصة العراق دي معانا، هي ذله هناك و ذله هنا؟!”.

“الفلوس دي بقالها 22 سنه و هو الواحد بيتغرب و يسيب اهله و عياله و ارضه عشان ايه؟ مش عشان يجيب حسنهيعمل بيها مشروع او يستنفع بيها هو و اهله”.

“انا كنت في العراق من سنه 88 و كان العقد بيقول اننا نشتغل السنه في مقابل حواله قيمتها 8 ورقات و الورقه ب 100 دولار و اشتغلت سنتين على الاساس ده بس في سنة 90 صدر قرار من الحكومه العراقيه ان الحوالات تقل من 8 ورقات الى 3 ورقات و ده خلاني اسيب الشغل و امشي. السبب اللي اعلنوه في وسائل الاعلام لتفسير تأخر الحوالات هو تجميد ارصدة العراق بعد حرب الخليج بس الله اعلم بقى لو فيه اسباب تانيه”.

“انا امبارح كنت نايم في النفق بتاع المترو .. و النهارده مفيش جديد بالعكس الناس بتتخانق مع بعضها و قامت خناقه كبير و فيه ناس ضربت بعضها بالحديد”.

“روحت قبل كده  للشرطه العسكريه عشان اقولهم يجو ينظمو الناس بس هما وعدونا انهم يبعتو قوه و مبعتوش حاجه، الشرطه العسكريه لو جت ممكن تنظم الدنيا “.

 يومين و ليلة أخر قضاهم الحاج عبد الكريم على الرصيف بين نهار شقي و ليل بائس قبل أن يعود إلى ابنائه خالي الوفاض على أمل أن يعود بعد أسبوعين أو ثلاث مرة أخرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s